ابن عجيبة
145
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَمَنْ حَوْلَها من المشرق والمغرب أو لينذر القرآن أمّ القرى ومن حولها أي : أنزلناه للبركة والإنذار ، وإنما سميت مكة أمّ القرى ؛ لأنها قبلة أهل القرى وحجهم ومجمعهم ، وأعظم القرى شأنا . وقيل : لأن الأرض دحيت من تحتها أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس . وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ هم الذين يُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ؛ لأنّ من صدّق بالآخرة ، وخاف عاقبتها ، تحرى لنفسه الصواب ، وتفكر في صدق النجاة ، فآمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصدّق بما جاء به ، وحافظ على مراسم الشريعة ، وأهمها : الصلاة ؛ لأنها عماد الدين وعلم الإيمان ، من حافظ عليها حفظ ما سواها ، ومن ضيّعها ضيّع ما سواها . الإشارة : مفتاح القلوب هو كتاب اللّه ، وهو عنوان السير ، فمن فتح له في فهم كتاب اللّه ، عند سماعه والتدبر في معانيه ، فهو علامة فتح قلبه ، فلا يزال يزداد في حلاوة الكلام ، حتى يشرف على حلاوة شهود المتكلم من غير واسطة ؛ وذلك غاية السير ، وابتداء الترقي في أنوار التوحيد وأسرار التفريد ، التي لا نهاية لها . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر وعيد من كذّب به أو عارضه ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 93 إلى 94 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ( 93 ) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 94 ) قلت : ( كما خلقناكم ) : بدل من ( فرادى ) ، أو حال ثانية ، و ( لقد تقطع بينكم ) ؛ من قرأ بالرفع ، فهو فاعل ، أي : تقطع وصلكم ، ومن قرأ بالنصب ، فظرف ، على إضمار الفاعل ، أي : تقطع الاتصال بينكم ، أو على حذف الموصول ؛ لقد تقطع ما بينكم . يقول الحق جل جلاله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فزعم أنه يوحى إليه ، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي ، أو : غيّر الدين ، كعمرو بن لحيى وأمثاله ، أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ كابن أبى سرح